سهيلة عبد الباعث الترجمان

216

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

القصوى أدّاهم فكرهم إلى حال المقلّد المصمم . . . فللعقول حد تقف عنده من حيث قوتها في التصرف الفكري . . . فإذن ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود ولا يبقى مأسورا في قيد نظره وكسبه . . . ولقد أخبرني من أثق به من إخوانك . . . أنه رآك وقد بكيت يوما فسألك هو ومن حضر عن بكائك فقلت : مسئلة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة تبين لي في الساعة بدليل لاح لي أن الأمر على خلاف ما كان عندي ، فبكيت وقلت لعل الذي لاح أيضا يكون مثل الأول ، فهذا قولك . ومن المحال على العارف بمرتبة العقل والفكر أن يسكن أو يستريح ولا سيما في معرفة اللّه تعالى ، ومن المحال أن يعرف ماهيته بطريق النظر ، فما لك يا أخي تبقى في هذه الورطة ، ولا تدخل طريق الرياضات والمجاهدات والخلوات التي شرّعها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتنال ما نال من قال فيه سبحانه وتعالى : عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً « 1 » ، ومثلك من يتعرض لهذه الخطة الشريفة والمرتبة العظيمة الرفيعة . وليعلم وليّ . . . أن كل موجود عند سلب ذلك السبب محدث مثله ، فإن له وجهين : وجه ينظر به إلى سببه ووجه ينظر به إلى موجده وهو اللّه تعالى ، فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم والحكماء والفلاسفة كلهم وغيرهم إلّا المحققين من أهل اللّه تعالى كالأنبياء والأولياء والملائكة عليهم السلام فإنهم مع معرفتهم السبب ناظرون من الوجه الآخر إلى موجدهم « 2 » . . . ومن كان وجوده مستفادا من غيره فحكمه عندنا حكم لا شيء ، فليس للعارف معوّل غير اللّه البتة . وينبغي للعاقل أن لا يطلب من العلوم إلّا ما يكمل فيه ذاته وينتقل معه حيث انتقل ، وليس ذلك إلا العلم باللّه تعالى من حيث الوهب والمشاهدة . . . وليجتهد في تحصيل ما ينتقل معه ، وليس ذلك إلّا علمان خاصة : العلم باللّه تعالى والعلم بمواطن الآخرة . . . فينبغي للعاقل الكشف عن هذين العلمين بطريق الرياضة والمجاهدة والخلوة على الطريقة المشروطة « 3 » . . . وهذا آخر الرسالة .

--> ( 1 ) سورة الكهف ، الآية : 65 ك . ( 2 ) ابن عربي ، رسالة الشيخ محي الدين بن عربي إلى الأمام الرازي ، عالم الفكر ، مصر ، ص 14 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص . ص 1 - 2 وما بعدها .